يشتغل العزيز عاطف بمنطق تجريبي خلّاق، مفككاً المقولة الفنية الفلسطينية التقليدية بقدر ما يؤسس عليها بصرياً ومعرفياً ووطنياً. لا يتعامل مع الإرث بوصفه سلطة شكلية ينبغي الامتثال لها، ولا بوصفه ماضياً ينبغي القَطع معه، بل باعتباره مادةً تاريخيّة قابلة لإعادة النظر والتركيب والتجاوز. هو، بهذا المعنى، رائد في جيله ومريد لجيل الرواد؛ إذ يجاورهم من غير أن يمشي في ظلالهم أو يتماهى معها، وحيث يجترح آثام السَبْق فإنّه يربح حسنات التالي الذي يقترح جديده بعد كل قديم، ويشحذ سلسلته بعد كل تراكم. فالفن عنده لا يبدأ من فراغ، والجديد ليس قطيعةً مجانيةً مع كل وَسْمٍ قديم، وإنما معرفة بكل التجارب السابقة مع قدرة على دفعها إلى موضع آخر.
وُلد العزيز عاطف عام 1996 في مخيم العرّوب للاجئين في فلسطين، وفي المخيم تشكّلت مبكراً علاقته بالمكان بوصفه أكثر من جغرافيا ومحلّ عيشٍ وإقامة. فالمكان الفلسطيني ليس حيّزاً محايداً تحدث فيه الحياة أو تسير زمنيّاً، بل بنية سياسيّة ووجدانيّة وبصريّة تنتظم داخلها الذاكرة والحركة والحواجز وثيمات الانتظار والعنف والانتماء. من هنا لا يظهر المكان في أعماله بوصفه خلفية للمشهد، بل باعتباره قوة خفيةّ تصنع الجسد وتحدّد إمكان حركته وأبعاد حركيّته، وتعيد تشكيل علاقته بالبيت والطريق والحدّ والحاجز والغياب. المخيم، بهذا المعنى، ليس موضوعاً يستعيده الفنان، بل معرفة أولى عن العالم، ومكاناً مؤقتاً تراكم في الزّمن حتى أصبح هذا المؤقت بُنية كاملة للحياة.
درس العزيز عاطف القانون والعلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة بيرزيت، قبل أن يتابع دراساته العليا في الدراسات الثقافية والنقدية في دائرة الفلسفة. ولم يبق هذا المسار الأكاديمي خارج الممارسة الفنية، بل دخل في بُنيتها العميقة. فالقانون منحه حساسيّة تجاه السلطة وحدودها ولغتها، والسياسة فتحت أمامه سؤال القوة وتمثيلاتها، بينما أتاحت له الدراسات النقدية والفلسفية مساءلة الصورة نفسها: كيف تُنتَج؟ من يملك حق الظهور داخلها؟ ماذا تُخفي بقدر ما تكشف؟ وكيف يمكن للعمل الفني أن يكون معرفةً من دون أن يتحول إلى خطابٍ شارحٍ أو وثيقة سياسية مصوّرة؟
لهذا لا ينفصل التفكير في تجربته عن الصناعة. اليد تفكّر بقدر ما يَصنع الذهن، والمادة ليست أداة لتنفيذ فكرة مكتملة أو منجزةً سلفاً، وإنما طرفٌ في عمليّة إنتاجها. كثيراً ما تبدأ اللوحة لديه من اختبار مادي: طيّة، تمزق، كثافة، احتراق، ترسيب، طبقة من السُخام أو مقاومة نسيج للون ما. ومن خلال هذا الاحتكاك تتغير الفكرة ذاتها. فالتجريب ليس بحثاً شكلياً عن غرابة المادة، بل منهج معرفة، ومحاولة لاكتشاف ما تستطيع المادة قولهُ حين لا تُختزَل في أداء وظيفة مألوفة فحسب.
المكاشفة البيانية في أعماله تعايش الحدث بانتباه شفّاف يحيل إلى ثقافة اختزالية مكثفة تَسْبِرُ جوهر الأفكار. الأخلاط والألوان محمولة على حرفة التفاصيل وتشتغل أيضًا على تحفيز ذلك الجوهر وتحميل منطوقه عناصر التأويل الجمالي الحيّ لا الغموض العصيّ والميّت. فالعمل عنده لا يتعمّد التعقيد المغلق أو الإبهام القَصْدي كي يبدو عميقاً، ولا يستنفد نفسه في الوضوح حتى يتحول إلى شِعار. ثمة اقتصاد في العلامة يقابله اتّساع في الدلالة: أقل قدر ممكن من العناصر، وأقصى قدر ممكن من التوتر بين علاقات التشكيل.
من هنا جاء اهتمامه المتزايد بالمواد التي تحمل تاريخها ووظيفتها قبل دخولها فضاء الفن. وفي مقدمتها الشاش الطبي الذي صار خلال السنوات الأخيرة واحداً من أهم مكونات لغته البصرية. فالشاش ليس سطحاً بديلاً للقماش ولا حيلة تقنية؛ إنه مادة جاءت أصلاً لكي تلامس الجسد حين ينفتح، حيث تغطي الجرح، وتمتص الدم، وتحمي موضع الإصابة، وتفصل اللحم الهش عن الخارج. وحين ينتقل من فضاء التطبيب إلى فضاء الفن لا يفقد ذاكرته الوظيفية، بل يحملها معه ويحوّلها إلى سؤال.
يستعمل عاطف الشاش بوصفه جسداً وجلداً، وأحياناً أخرى يُصيّره غياباً للجسد. تتكاثف طبقاته حتى تصير كتلة، أو ترق حتى يصبح ما خلفها مرئياً، أو تتمزق حوافها، أو تنثني لتقترح شخصاً من دون رسمه. هكذا تتحول المادة من حامل للصورة إلى الصورة نفسها. ولا يعود الجسد مرسوماً فوق السطح، بل ينشأ من طيّاته، أو يفشل في الظهور داخله، أو يترك فراغاً يدل عليه. وهو انتقال مهم في تجربته من تمثيل الإنسان إلى التفكير في شروط ظهوره واختفائه.
وفي هذه المنطقة تحديداً يتمظهر انشغاله بالجسد بعد العنف. فالجسد في أعماله ليس تشريحاً ولا بطولة، وليس صورة مكتملة للضحية، بل كيان هش تتنازعه إمكانات الحضور والمحو. جسدان قد يتواجهان من خلال اتجاه الطيات وحده، وعائلة يمكن أن تظهر كفراغ داخل كثافة النسيج، وشخص قد يتكون من كتلة لا تمنحه وجهاً. بذلك يتراجع الوجه بوصفه مركز الهوية التقليدي لمصلحة الأثر والوضعيّة والكتلة والمسافة. وما لا يَظهر يصبح أحياناً أكثر حضوراً ممّا يَظهر.
ويزخر مشروع العزيز الفني بتمثيلات الجرح الإنساني، قاصداً بمحليته سياسات المكان ومتجاوزاً تلك التعمية التي قد تعنيها "العالمية" حين تصبح شرطاً لاختزال خُصوصية التجربة. الفلسطيني في أعماله حاضر بقوة تعبيراً وتأشيراً؛ لا بوصفه استعارة مجردة للمعاناة الإنسانية، بل إنساناً محدداً داخل تاريخ ومكان محددّين. لا تغريب في ذهنه العقلاني، ولا صراخ في ممارسته العاطفية. إنه لا يحتاج إلى محو فلسطين حتى يصبح إنسانياً؛ على العكس، يصل إلى الإنساني عبر أقصى درجات الانتباه إلى المحلي والاشتغال به.
لهذا تظهر في مشروعه مفردات الأسر والاعتقال والقتل والاستشهاد والاقتلاع والانتظار والفقد والبيت والعائلة، لكنها لا تدخل العمل باعتبارها قائمة مَوضوعات سياسية جاهزة. ما يعنيه هو أثر هذه البنى في الجسد؛ وفي الإدراك؛ وفي علاقة الإنسان بإنسان آخر. كيف يعانق جسد جسداً بعد غياب قسري؟ كيف تصير المسافة بين شخصين أثراً للسياسة؟ كيف يصبح الطريق تجربة زمنية لا مجرد انتقال؟ كيف يمكن للوحة أن تقول إن شخصاً قد غاب أو رحل من دون أن ترسم غيابه ورحيله حرفياً؟ وكيف يتحول الجرح من موضوع ممثَّل إلى منطق ينُظّم السطح نفسه؟
هذه الأسئلة تفسّر ميله إلى اختزال الوجوه وتغييب الملامح. فالوجه بما يحمله من قدرة سريعة على إثارة التعاطف، قد يختصر التجربة في انفعال مباشر. أما الجسد الذي يتكون من نسيج أو سَواد أو طيّة، فيؤخر الاستجابة ويدفع العين إلى البحث. إنه لا يمنح المتلقي الحكاية كاملة، بل يضعه أمام أثرها. ومن هنا تأتي تلك العلاقة المتوترة في أعماله بين الوضوح والحجب بحيث يمكن إدراك أن ثمة إنساناً أو عائلة أو إصابة أو غياباً، لكن الصورة ترفض أن تتحول إلى شرح نهائي لنفسها.
يتجاور الشاش في ممارسته مع الزيت والسخام والرماد والحبر والغرافيت والمواد المحترقة والألوان الترابية. وليست هذه الخيارات محكومة بتقشف لوني محض، بل برغبة في بناء سطح يحمل الزمن. الأسود ليس مساحة لونية فقط، والبُني ليس إحالة إلى التراب وحده، والرمادي ليس منطقة وسطى بين الأبيض والأسود؛ لكل منها كثافة مادية ونفسية تتبدل بحسب ما يجاورها. اللون يمكن أن يبدو محترقاً أو مصاباً أو باهتاً أو ثقيلاً، ويمكن للنسيج أن يحمل اللون كما لو أنه يحتفظ ببقايا حدث وقع عليه.
أما بحثه في الجدار والجدارية، وفي العلاقة بين الصورة والحيز السياسي، فيكشف جانباً آخر من هذا التفكير. فالجدار ليس سطحاً معمارياً محايداً؛ قد يكون فاصلاً وحدّاً ومنعاً وسجناً وحاملاً للصورة في الوقت نفسه. والجدارية لا تُقرأ عنده بوصفها تكبيراً للوحة، وإنما فعلاً يتقاطع مع العمارة والسلطة والذاكرة والجمهور. هذا الوعي بالمكان يمتد إلى طريقة عرضه للأعمال، حيث لا تنتهي اللوحة دائماً عند حواف الإطار. قد يخرج الشاش منها، ينحدر نحو الأرض، يبرز من الجدار أو يتحول إلى تركيب يحتل الحيّز ويجبر الجسد المشاهد على تغيير موقعه أمامه.
تتشكل تجربة العزيز عاطف، في النهاية، عند تقاطع مجموعة من الأسئلة التي لا يبحث عن إجابات نهائية لها: ماذا تستطيع الصورة أمام حدث يفوق قدرتها على التمثيل؟ كيف يمكن للمادة أن تتذكر؟ ما الذي يبقى من الجسد حين يُحجب وجهه؟ متى تصبح الهشاشة قوة تشكيلية؟ وكيف يستطيع الفن الفلسطيني أن يحمل تاريخه من غير أن يصبح أسيراً لأيقوناته؟
إنه يبني مشروعه من داخل هذه التوترات، بين الجمال والجرح، الخفة والثقل، الحضور والغياب، المحلي والإنساني، الذاكرة والتجريب، المادة والفكرة. لذلك لا يسعى إلى إنتاج صورة نهائية عن فلسطين، بل إلى إبقاء صورتها مفتوحة على التحول والسؤال. فلسطين في عمله ليست موضوعاً خارجياً ينظر إليه الفنان؛ إنها الشرط الذي تشكلت داخله عينه وبصيرته، والمكان الذي تعلّم فيه كيف يرى، والمادة التاريخية والأخلاقية التي يختبر من خلالها معنى أن تكون الصورة فعلاً للمعرفة.